عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
199
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
إِلى يَوْمِ الدِّينِ حصر ، فإذا انقضى يوم الدين فلا لعنة عليه ، لارتفاع حكم الظلمة الطبيعية في يوم الدين ، وقد مضى تفسير يوم الدين في الباب الموفى أربعين من الكتاب ، فلا يلعن إبليس أي لا يطرده عن الحضرة إلا قبل يوم الدين لأجل ما يقتضيه أصله ، وهي الموانع الطبيعية التي تمنع الروح عن التحقيق بالحقائق الإلهية . وأما بعد ذلك فإن الطبائع تكون لها من جملة الكمالات ، فلا لعنة بل قرب محض ، فحينئذ يرجع إبليس إلى ما كان عليه عند اللّه من القرب الإلهي وذلك بعد زوال جهنم ، لأن كل شيء خلقه اللّه لا بد أن يرجع إلى ما كان عليه ، هذا أصل مقطوع به فافهم . قيل إن إبليس لما لعن هاج وهام لشدة الفرح حتى ملأ العالم بنفسه ، فقيل له : أتصنع هكذا وقد طردت من الحضرة ؟ فقال : هي خلعة أفردني الحبيب بها لا يلبسها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ؛ ثم إنه نادى الحق كما أخبر عنه سبحانه وتعالى قال : رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 1 » لعلمه أن ذلك ممكن ، فإن الظلمة الطبيعية التي هي محتدة باقية في الوجود إلى أن يبعث اللّه تعالى أهلها ، فيتخلصون من الظلمة الطبيعية إلى أنوار الربوبية ، فأجابه الحق وأكد بأن « قال » له : فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ « 2 » وذلك رجوع أمر الوجود إلى حضرة الملك المعبود ، وقال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ « 3 » لأنه يعلم أن الكل تحت حكم الطبيعة وأن الاقتضاءات الظلمانية تمنع من الصعود إلى الحضرات النورانية : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ يعني الذين خلصوا من ظلمة الطبائع إقامة الناموس الإلهي في الوجود الآدمي ، فإن كان المخلص بصيغة المفعول كان الأمر بالنسبة إلى الحقيقة الإلهية ، يعني أخلصهم اللّه بجذبهم إليه ، وإن كان بصيغة الفاعل كان بالنسبة إلى الحقيقة العبدية ، يعني تخلصوا بالأعمال الزكية كالمجاهدات ، والرياضات ، والمخالفات ، وأمثال ذلك . فلما تكلم بهذا الكلام أجابه الحق فقال : فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ « 4 » فلما تكلم إبليس عليه اللعنة من حيث ما تقتضيه الحقائق أجابه الحق تعالى من حيث ما تكلم به إبليس
--> ( 1 ) آية ( 36 ) سورة الحجر . ( 2 ) آية ( 37 - 38 ) سورة الحجر . ( 3 ) آية ( 82 ) سورة ( ص ) . ( 4 ) آية ( 85 ) سورة ص .